ابن أبي الحديد

195

شرح نهج البلاغة

فهذه جملة ما ذكره المرتضى رحمه الله في هذا الموضع ، وأكثره جيد لا اعتراض عليه ، وقد كان يمكنه أن يقول لو سلمنا بكل هذا لكان ليس في قوله ( لن تخرجوا معي ابدا ) الآية ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله لا يكون هو الداعي لهم إلى القوم أولي الباس الشديد ، لأنه ليس فيها الا محض الاخبار عنهم بأنهم لا يخرجون معه ، ولا يقاتلون العدو معه ، وليس في هذا ما ينفى كونه داعيا لهم ، كما أنه عليه السلام قال ( أبو لهب لا يؤمن بي ) ، لم يكن هذا القول نافيا لكونه يدعوه إلى الاسلام . وقوله ( فاقعدوا مع الخالفين ) ليس بأمر على الحقيقة ، وإنما هو تهديد كقوله ( اعملوا ما شئتم ) ( 1 ) ولا بد للمرتضى ولقاضي القضاة جميعا من أن يحملا صيغة ( افعل ) على هذا المحمل ، لأنه ليس لأحدهما بمسوغ أن يحمل الامر على حقيقته ، لان الشارع لا يأمر بالقعود وترك الجهاد مع القدرة عليه ، وكونه قد تعين وجوبه . فان قلت لو قدرنا أن هذه الآية ، وهي قوله تعالى ( قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي باس شديد ) ، أنزلت بعد غزوة تبوك ، وبعد نزول سورة ( براءة ) ، التي تتضمن قوله تعالى ( لن تخرجوا معي ابدا ) ، وقدرنا أن قوله تعالى ( لن تخرجوا معي ابدا ليس ) اخبارا محضا كما تأولته أنت وحملت الآية عليه ، بل معناه لا أخرجكم معي ولا أشهدكم حرب العدو ، هل كان يتم الاستدلال ؟ قلت لا لان للامامية أن تقول يجوز أن يكون الداعي إلى حرب القوم أولي الباس الشديد مع تسليم هذه المقدمات كلها هو رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنه دعاهم إلى حرب الروم في سرية أسامة بن زيد في صفر من سنة إحدى عشرة ، لما سيره إلى البلقاء ، وقال له سر إلى الروم مقتل أبيك فأوطئهم الخيول وحشد معه أكثر المسلمين ، فهذا الجيش قد دعى فيه المخلفون من الاعراب الذين قعدوا عن الجهاد

--> ( 1 ) سورة الشورى : 40 .